| 
من الاتهام إلى الإدانة المسبقة.. منتدى البحرين يرصد خروقات واسعة في محاكمة علماء الدين تابع منتدى البحرين لحقوق الإنسان البيان الصادر عن النيابة العامة بتاريخ 05 يوليو/تموز 2026 بشأن أولى جلسات المحاكمة في القضية المنعقدة بالاستفادة من الحرب العدوانية للإدارة الأمريكية وكيان الاحتلال على الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي أُحيل فيها 19 عالم دين إلى المحاكمة، من بينهم 8 متهمين غيابيًا، أبرزهم زعيم الطائفة الشيعية في البحرين سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم. وتأتي هذه المحاكمة امتدادًا للإجراءات التي بدأت في 9 مايو/أيار 2026، عندما أعلنت السلطات البحرينية توقيف 41 شخصًا، وأتبعتها بإجراءات شملت الحبس الاحتياطي، والتحفظ على الأموال، والكشف عن الحسابات المصرفية. وبعد النظر في تصريح المحامي العام، تبيّن وجود مخالفات قانونية وحقوقية جسيمة. فقد تضمّن التصريح الرسمي صياغات واتهامات قطعية تمسّ بقرينة البراءة، وتؤثر في حق المتهمين في محاكمة عادلة ومحايدة، لا سيما أن الدعوى لا تزال في مرحلة النظر القضائي، وأن الدفاع لم يستنفد حقه في مناقشة الأدلة والرد على ما ورد في ملف الاتهام. إنّ المنتدى يدين بشدّة صدور هذا التصريح وما ورد فيه، ويؤكّد على خطورة ربط المتهمين بالإرهاب دون أي دليل مثبت، ويذكّر أن تبنّي الروايات الإتهاميّة القطعيّة لا تعفي السلطات من واجب الالتزام الصارم بالضمانات الدستورية والدولية للمحاكمة العادلة، وبمبادئ الشرعية الجنائية، وقرينة البراءة، وحرية الفكر والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير. وفي هذا السياق، يرى المنتدى أن مجريات القضية والإجراءات المتخذة بحق المتهمين تكشف عن عدد من الانتهاكات القانونية والحقوقية، يمكن إجمالها بما يلي: أوّلاً: الربط المباشر بين حرية الفكر والمعتقد وبين الفعل الجرمي خصص التصريح الرسمي مساحة واسعة للحديث عن "ولاية الفقيه" وربطها مباشرةً بسياق أمني وسياسي، بل وإرهابي، دون أن يبيّن أي صلة قانونية بين اعتناق فكرة أو موقف ديني أو سياسي، وبين ارتكاب أفعال محددة يجرّمها القانون وتثبتها محكمة مستقلة ومحايدة. كما استخدم البيان أوصافًا عامة وفضفاضة قابلة للتأويل الواسع والمغاير للواقع، من قبيل "زعزعة الاستقرار"، و"الأفكار المناوئة"، و"ترسيخ الفكر"، و"الهيمنة على دور العبادة". ويؤكد المنتدى أن تجريم الفكر أو المعتقد، أو تصويره بحد ذاته كدليل على الخطر الأمني، يتعارض مع الضمانات الدستورية والدولية المتعلقة بحرية الفكر والضمير والدين وحرية الرأي والتعبير، لا سيما المواد 20 و 22 و 23 من دستور البحرين والمادتين 18 و 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ثانياً: إنتهاك قرينة البراءة والتسييس المسبق يربط التصريح الرسمي بين المتهمين من جهة، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحرس الثوري وولاية الفقيه من جهة أخرى، في سياق يوحي قطعيّة وجود تبعية سياسية وأمنية منظّمة قبل أن تفصل المحكمة في الوقائع والأدلة. ويعد هذا النهج مخالفًا للفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أن من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته قانونًا. كما أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم (32)، أن السلطات العامة بما في ذلك أجهزة إنفاذ القانون والنيابة العامة، تمتنع عن إصدار تصريحات توحي بإدانة المتهمين قبل صدور حكم نهائي، لأن مثل هذه التصريحات تؤثر في الرأي العام وتمس بحياد المحكمة. ويشدد المنتدى على أن أي اتهام بالتخابر أو الارتباط بجهة خارجية، سياسيّة أو أمنيّة، يجب أن يخضع لأعلى معايير التحقيق والإثبات، وأن يُناقش أمام محكمة مستقلة ومحايدة، لا أن يُقدَّم للرأي العام في صياغة جازمة قبل صدور حكم نهائي. ثالثًا: المساس باستقلال القضاء وحياد المحاكمة يرى المنتدى أن صدور بيانات إعلامية تفصيلية من السلطة التنفيذية والنيابة العامة، تتضمن سردًا للرواية الرسمية للقضية قبل بدء المحاكمة، يثير مخاوف جدية بشأن احترام مبدأ استقلال القضاء وحياده. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن ضمان المحاكمة العادلة لا يقتصر على استقلال القاضي من الناحية المؤسسية، بل يشمل أيضًا تجنب أي ممارسات أو تصريحات رسمية قد تُنشئ انطباعًا مسبقًا لدى الرأي العام أو لدى المحكمة بشأن مسؤولية المتهمين. وفي هذا السياق، فإن التغطية الإعلامية الرسمية التي تقدم الاتهامات بوصفها حقائق ثابتة، مع نشر تفاصيل موسعة حول الوقائع المزعومة، من شأنها أن تمس الحياد القضائي، وهو خرق لأحد المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة وفق المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ووفق المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمدة من الأمم المتحدة منذ عام 1985. رابعًا: الجزم بتهمة الإرهاب قبل الفصل القضائي استخدم التصريح عبارات إتهاميّة قطعية من مثال "قيام المتهمين بتأسيس الجماعة"، و"تخابر بعضهم مع دولة إيران"، و"العمل على تغيير النظام الدستوري"، و"اتخاذ الإرهاب وسيلة من وسائلها"، رغم أن المحكمة لم تنتهِ بعد من نظر الدعوى، ولم يقدّم الدفاع مرافعته ودفوعه بشأن التهم المسندة إلى المتهمين. ولا يقتصر الإشكال على وصف الأفعال المنسوبة إلى المتهمين، بل يمتد إلى نسبة نوايا وأهداف داخلية أكبر إليهم، مثل السعي إلى تغيير النظام الدستوري، والإضرار بمصالح المملكة، وزعزعة الاستقرار. وهذه عناصر لا يجوز الجزم بها إعلاميًا قبل أن تخضع للأدلة والمرافعة والتقييم القضائي المستقل. ويؤكد المنتدى أن وصف المتهمين، ومن بينهم علماء دين، ضمن إطار "تنظيم إرهابي" في بيان رسمي صادر عن السلطة قبل صدور حكم نهائي، يشكّل خرقًا لمبدأ احترام قرينة البراءة، بالإضافة إلى عدد من القوانين، من جملتها الفقرة ج من المادة 20 من دستور مملكة البحرين، والفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والفقرة الأولى من المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. خامسًا: الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي ومخاطر التعذيب وسوء المعاملة يؤكّد المنتدى أن احتجاز بعض المتهمين بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمانهم من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم، يشكل أحد أبرز العوامل التي تهيئ تعرضهم للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتلزم المواد 2 و 11 و 12 و 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب الدول الأطراف باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب الجسدي والنفسي، منها خضوع أماكن الاحتجاز لإشراف فعّال، وعدم العزل عن العالم الخارجي. ويرى المنتدى أن إقامة الجلسة الأولى للمحاكمة إفتراضيًّا، ودون حضور فعّال لمحامي الدفاع أو ذوي المتهمين، يثير مخاوفًا جدّية بشأن وضع المحتجزين. سادسًا: انتهاك الحق في الدفاع والتمثيل القانوني تنص الفقرة الثالثة من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل متهم في أن يُمنح الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، وأن يتصل بمحامٍ يختاره بنفسه. كما تؤكد المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة من الأمم المتحدة عام 1990، أن لكل شخص محتجز الحق في الاتصال بمحامٍ دون تأخير، وبما لا يتجاوز ثمانٍ وأربعين ساعة من لحظة الاحتجاز، وأن تتم جميع الاتصالات بين المحامي وموكله بسرية تامة. ويكفل دستور مملكة البحرين في الفقرة ه من المادة 20 حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ في الجنايات، وهو ضمان دستوري لا يجوز الانتقاص منه تحت أي مبرر يتعلق بطبيعة الاتهام. ويشدد المنتدى على أن أي أقوال واعترافات يتم الحصول عليها في ظل الحرمان من المساعدة القانونية، أو نتيجة الإكراه أو الضغوط النفسية أو الجسدية، تفتقر إلى الحجية القانونية. سابعًا: اعتبار الكتب الدينية والأموال مؤشرات على الإرهاب أشار التصريح الرسمي إلى ضبط كتب ومؤلفات وأموال، وقدّمها على أنها أدلّة على النشاط الجرمي المنسوب إلى المتهمين. يؤكد المنتدى أن حيازة الكتب، بما في ذلك الكتب الدينية أو الفكرية أو السياسية، لا تشكل بذاتها فعلاً مجرّمًا، كما أن حيازة الأموال لا تعد دليلًا على ارتكاب جريمة ما لم يثبت وجود صلة مباشرة بينها وبين نشاط غير مشروع وفقًا للقانون وعبر محاكمة عادلة. ويرى المنتدى أن تقديم هذه المضبوطات للرأي العام باعتبارها مؤشرات على "نشاط إرهابي" قبل تقييمها قضائياً يمس مباشرةً بحرية الفكر والضمير والدين، ويخلق مناخاً من الترهيب الاستباقي تجاه كل من يمارس نفس الحقوق المرتبطة بالقراءة والاعتقاد والتعبير الديني أو الفكري. ثامنًا: التمييز الطائفي والاستهداف المسيّس يرى المنتدى أن إحالة عدد كبير من كبار علماء الطائفة الشيعية إلى المحاكمة في إطار قضية واحدة، وربط مؤسساتها الدينية وخطابها الديني بالأنشطة الإرهابية، يثير مخاوف جدية بشأن وجود تمييز على أساس الدين أو المعتقد. وتحظر المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي تمييز في التمتع بالحقوق والحريات، كما تؤكد المادة 26 أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون ويتمتعون بحماية متساوية دون أي تمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الدين أو المعتقد. كما تنص المادة 18 من دستور مملكة البحرين على أن المواطنين متساوون في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات العامة، ولا يجوز التمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة. تاسعًا: محاكمة شخص سبق تجريده من جنسيته يرى المنتدى أن محاكمة شخص سبق أن جُرّد من جنسيته، ولا سيما إذا جرت المحاكمة غيابيًا، تثير مخاوف قانونية وحقوقية مضاعفة. إذ إن الحرمان السابق من الجنسية لا يُعدّ مجرد إجراء إداري منفصل عن الدعوى، بل ينعكس مباشرة على المركز القانوني للمتهم وقدرته الفعلية على ممارسة حقوق الدفاع. بل أكثر من ذلك، فإنه يضغط بشكل مباشر على القضاة ويجعل من المستحيل أن تحكم المحكمة حياديًّا لصالح شخص اعتبرته الدولة "مستحقًا للطرد من المواطنة". ويؤكد المنتدى أن هذه الممارسة تمسّ جوهر الحق في المحاكمة العادلة، وتتناقض مع حظر الحرمان التعسفي من الجنسية، ومع الضمانات الأساسية التي تكفل حق المتهم في أن يُحاكم حضورياً وأن يدافع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محامٍ من اختياره. بناءً على ما تقدم، يدعو منتدى البحرين لحقوق الإنسان الحكومة البحرينية إلى: - الإفراج الفوري وغير المشروط عن علماء الدين المحتجزين، وجبر الضرر المادّي والمعنوي الذي لحق بهم، وإنهاء جميع أشكال الاحتجاز التعسّفي.
- احترام قرينة البراءة في جميع البيانات الرسمية الصادرة عن أي جهة حكومية، والامتناع عن إصدار بيانات إعلامية تتضمن استخدام صياغات تجزم بثبوت التهم قبل صدور حكم قضائي نهائي.
- ضمان حق جميع المتهمين في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة، وتمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على الأدلة والرد عليها، دون التأثير المسبق في الرأي العام.
- احترام مبدأ عدم التمييز، وضمان عدم استهداف أي فئة دينية أو مذهبية بسبب معتقداتها أو مؤسساتها الدينية أو قياداتها الروحية.
- الكفّ عن تجريم المعتقدات والأنشطة الدينية السلمية واعتبارها دليلًا على النشاط الإرهابي، واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتقييدها.
- التوقف عن استخدام إسقاط الجنسية كوسيلة للعقاب أو الإقصاء السياسي، واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الآثار القانونية المترتبة على قرارات الحرمان التعسفي من الجنسية.
- الالتزام الكامل بالدستور البحريني والقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها البحرين.
كما يدعو المنتدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والإجراءات الخاصة ذات الصلة، ولا سيما المقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد، والمقرر الخاص المعني بالحق في حرية الرأي والتعبير، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، إلى متابعة هذه القضية، وفتح تحقيق دولي مستقل حول استمرار سلطات البحرين بملاحقة وتجريم المواطنين على أساس التعبير عن الرأي وحرية الفكر والمعتقد، والضغط لإلزام حكومة البحرين بما ورد أعلاه في التوصيات. منتدى البحرين لحقوق الإنسان 06 يوليو/تموز 2026 |